فخر الدين الرازي

4

تفسير الرازي

والإنجيل ، مع أن محمداً عليه الصلاة والسلام ما كان عالماً بالتوراة والإنجيل ، فحصل هذه الموافقة لا يمكن إلا إذا خص الله تعالى محمداً بإنزال الوحي عليه . والثاني : وهو قول أبي مسلم : أن قوله : * ( الر ) * إشارة إلى حروف التهجي ، فقوله : * ( الر تلك آيات الكتاب ) * يعني هذه الحروف هي الأشياء التي جعلت وعلامات لهذا الكتاب الذي آيات به وقع التحدي . فلولا امتياز هذا الكتاب عن كلام الناس بالوصف المعجز ، وإلا لكان اختصاصه بهذا النظم ، دون سائر الناس القادرين على التلفظ بهذه الحروف محالاً . المسألة الثانية : في وصف الكتاب بكونه حكيماً وجوه : الأول : أن الحكيم هو ذو الحكمة بمعنى اشتمال الكتاب على الحكمة . الثاني : أن يكون المراد وصف الكلام بصفة من تكلم به . قال الأعشى : وغريبة تأتي الملوك حكيمة * قد قلتها ليقال من ذا قالها الثالث : قال الأكثرون * ( الحكيم ) * بمعنى الحاكم ، فعيل بمعنى فاعل دليله قوله تعالى : * ( وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ) * ( البقرة : 213 ) فالقرآن كالحاكم في الاعتقادات لتميز حقها عن باطلها ، وفي الأفعال لتميز صوابها عن خطئها ، وكالحاكم على أن محمداً صادق في دعوى النبوة ، لأن المعجزة الكبرى لرسولنا عليه الصلاة والسلام ، ليست إلا القرآن الرابع : أن * ( الحكيم ) * بمعنى المحكم . والأحكام معناه المنع من الفساد ، فيكون المراد منه أنه لا يمحوه الماء ، ولا تحرقه النار ، ولا تغيره الدهور . أو المراد منه براءته عن الكذب والتناقض . الخامس : قال الحسن : وصف الكتاب بالحكيم ، لأنه تعالى حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه ، فعلى هذا * ( الحكيم ) * يكون معناه المحكوم فيه . السادس : أن * ( الحكيم ) * في أصل اللغة : عبارة عن الذي يفعل الحكمة والصواب ، فكان وصف القرآن به مجازاً ، ووجه المجاز هو أنه يدل على الحكمة والصواب ، فمن حيث أنه يدل على هذه المعاني صار كأنه هو الحكيم في نفسه . قوله تعالى * ( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَاذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) * .